رئيس مجلس الادارة رجــب ر ز ق
رئيس التحرير سامي خليفة
ads

اقتصاديات فاطمة هانـم

السبت 15-07 - 05:14 م
تقترن ذكرياتي الأولي عن رمضان بالصيف والبحر. ففي صدر حياتي كانت أسرتي تقضي الشهور من يونيو إلي سبتمبر علي شاطئ مثلث رأس البر بين فرع دمياط من النيل، والبحر المتوسط. وكانت الشمس تغيب قرب الساعة السابعة مساء. فيما يعد يوم طويل نسبيا. فبدأت " تمرينات الصيام " في عمر الطفولة بالصيام حتي "مدفع الظهر" ثم إلي "مدفع العصر" لاحقا. إلي أن صرت أصوم اليوم كله حتي الغروب. ولاحقا، في سنة 1982 كنت أعمل في سفارة مصر بألمانيا عندما لحق الصيف برمضان مرة أخري في شهر أغسطس حيث الإفطار حوالي العاشرة مساء، والإمساك حوالي الساعة الثانية من صباح اليوم التالي. ومع ذلك شكرنا الله علي فضله حيث كان ذلك أهون من الصيام لوقت أقصر في حرارة بلدنا.
في رأس البر كانت فاطمة هانم تقضي يومها في إعداد لوازم المائدة الرمضانية، بما يشمل الحلوى. ورغم أن صينية الكنافة لم يكن سعرها يتجاوز الربع جنيه، فنادرا ما كانت مائدة فاطمة هانم تعتمد علي منتج غذائي نهائي من خارج المنزل. وفي أحاديثها في جلسات المجتمع، كانت تشير لمستويات الأسر وفق عاداتها الغذائية. وأقل الأسر في الإمكانيات كانت فاطمة هانم تشير إليهم بأنهم من مستوي الناس الذين يشترون خبزهم من السوق ولا يعدونه في منازلهم. أما أسرتها التي كانت تجمع الجد والأبناء والأحفاد الخمس والعشرين فقد كان خبزها يصنع في المنزل مرتان في الشهر. وفي شتاء كل عام تبدأ صناعة مربي اللارنج بأصنافها المتعددة، تليها مربي الورد، ومربي البلح الأصفر. أما بلح العجوة فقد كان يجفف ويفرم ويشكّل في قوالب. بل إن صديقتها " دولت هانم " كانت تمارس تلك الصناعات علي نطاق أوسع. فزوجها يمتلك فندقا فاخرا علي البحر، فكانت تنزل الأسواق في مواسم الطماطم والخضر والفاكهة المختلفة كي تشتري كميات تجارية تصنّع وتحفظ لاستخدامات الفندق طوال الصيف.
وفي العيد كانت فاطمة هانم تحيك ثياب بناتها. بما يشمل المعاطف وملابس الشتاء الثقيلة. وكانت صناعة الحرير مزدهرة في دمياط فتحاك منه قمصان الرجال والصبية. وكان نصيب الابن ثلاثة إلي ستة قمصان، فأجد قميصا أو قميصين قد (اختصرا) من المجموعة. ولا تظهر القمصان (المختصرة)، أو المدخرة، إلا وقت الحاجة. وكان كعك العيد يصنع لأفراد الأسرة والأقارب. ومن العادات الكريمة في تلك الأوقات تبادل هدايا الكعك المنزلي والتباهي بامتياز الصنع في بيت عن الآخر. ومن ذلك تعلمنا ثقافة الادخار.
في تلك الفترة كان مصروفي اليومي قرشان. كنت أضم بعضه لمدخراتي في حصّالة من الفخار، اشتريت بحصيلتها البالغة ثلاثة جنيهات ونصف، خروفا صغيرا. بمساعدة طباخ أخي. وبعت الخروف في نهاية الموسم بسبع جنيهات، في أول صفقة تجارية في حياتي. واشتريت بالحصيلة خروفين، بعتهما بنهاية الموسم بخمسة عشر جنيها اشتريت بها بقرة في الموسم التالي. وكانت شريكتي في هذه التجارة، أم محمد، الفلاحة التي كانت تقيم علي رأس الجسر المقابل لبيت أخي في قرية أولاد حمام التي كان يعمل بها مهندسا بوزارة الأشغال، وتولت أم محمد إطعام ثروتنا الحيوانية بخيرات الأرض، وبجوال من العلف كان جدي يتبرع به بين حين وآخر. وانتهت تلك التجارة بصفقة بيع البقرة بمبلغ خمس وسبعون جنيها.
أمضيت سنوات في مدرسة دمياط الحكومية الابتدائية والثانوية، وكانت تحتل مبني كبير، يضم ملاعب لكرة القدم والسلة واليد، وصالة مغلقة للألعاب وأخري للهوايات، وقاعة للسينما والاحتفالات، وحديقة نتعلم فيها الفلاحة. ومعامل للطبيعة وللكيمياء ننتج فيها الجبن والمربي. وكان المدرسون من مستويات رفيعة، بينهم الشاعر طاهر أبو فاشا مؤلف أشعار رابعة العدوية لأم كلثوم لاحقا. وكذلك كانت مستويات مدرسو العلوم والطبيعة وغيرها.
وكانت المدرسة الحكومية بمصروفات بضعة جنيهات. لم تكن في مقدور الجميع، حيث التعليم الخاص يتكلف نحو النصف. وكان المتفوقون أو الأقل مقدرة يعفون من المصروفات. وفي بداية السنة المدرسية كنا نسأل عن زميل لم يظهر بعد، فيجيب بعض العارفين بالأحوال بأن زميلنا فشل في الدراسة بمدرستنا الحكومية، ولهذا أدخله أهله مدرسة خاصة. إذ كان الذين يتعلمون في المدارس الخاصة هم من ذوي القدرات الأقل.
كنت أخرج من المدرسة في صحبة تضم رفعت الفناجيلي (مهندس الكرة في النادي الأهلي) ومحمد الرفاعى (خطاط ورسام دمياط الأشهر) وهاني جورج عبد الملك (جاري في السكن والطبيب لاحقا). وكان الحديث يدور أحيانا حول مصروفات المدرسة الباهظة والبالغة 360 قرشا. وكان هاني عادة ما يستأذن خلال مشوار العودة للحظات ليحيي خلالها والده، تاجر المشغولات الذهبية. وداعبته ذات مرة طالبا أن يسأل والده عن ثمن "كيلو" الذهب، وجاء بعد برهة يقول أن والده أعجبته طرافة السؤال، وأن كيلو الذهب يساوي 400 جنية. والذي تصل قيمته الآن إلي ثلاثة أرباع المليون جنيها.
ولهذا فعندما سألت مؤخرا زميل شاب: كم يصل مرتب الدبلوماسي الحديث؟. قال: إنه يبلغ نحو 300 جنيها. فقلت: أن هذا يساوي ثلاثين ضعف مرتبي عام 1961 لكن أدركنا بالحساب أن الخمسة عشر جنيها في وقتي كانت أفضل من 300 جنيها الآن. فالجنيهات الخمسة عشر كانت تشتري ألف وخمسمائة شطيرة فول، أو نحو ستة عشر جوالا من الأرز حتي عام 1972، بينما لا تشتري الثلاثمائة جنيه الآن أكثر من ثلاثمائة شطيرة فول وأقل من جوالين من الأرز.
ولعل شباب اليوم يلاحظ كيف أن شباب الأمس كان يعمل في الصيف ليحصل مصروف دراسته. ولم يكن كلهم بحاجة للمال. ولكن الجميع كان يدرك أن العمل شرف. والدراسة والتوفيق فيها، هي بوليصة تأمين للنجاح في الحياة.

تعليقات Facebook

تعليقات العربية نيوز

ads

استطلاع الرأى

هل انجازات "البرلمان" بالدورة الأولى تستدعي الاحتفال